12 January 2010

.. من قتل المصريين في يوم العيد؟

علاء الاسواني

في العام 1923 تشكلت لجنة لوضع أول دستور مصري.. إلا أن الوفد (حزب الأغلبية آنذاك) أعلن مقاطعته لهذه اللجنة، لأنها تشكلت بالتعيين لا بالانتخاب الحر. وبالرغم من ذلك فقد ضمت اللجنة مجموعة من أفضل العقول المصرية وشهدت سجالا سياسيا وفكريا رفيعا حول البنود المقترحة للدستور المصري.. وقد ارتفعت أصوات تنادي بالتمثيل النسبي للأقباط، بمعنى أن يكون للأقباط دائما نسبة معينة من المقاعد في المجالس النيابية والمحلية. تحول الاقتراح بسرعة إلى قضية رأى عام كبرى.. المؤيدون للتمثيل النسبي كانوا يريدون إنصاف الأقباط وتفويت الفرصة على التدخل البريطاني في مصر بحجة حماية الأقليات، أما المعارضون فكانوا يرفضون اعتبار الأقباط أقلية دينية بل يعتبرونهم مواطنين مصريين يجب أن يُقّيموا بمعيار الكفاءة وحدها... المدهش أن معظم من عارضوا التمثيل النسبي كانوا أقباطاً.. فبالإضافة إلى الدكتور طه حسين المسلم عارض الاقتراح المفكر سلامة موسى والأستاذ عزيز ميرهم الذي جمع توقيع خمسة آلاف قبطي من المعارضين والقمص بطرس عبد الملك رئيس المجلس الملي العام ورئيس الكنيسة المرقسية الكبرى وأقباط آخرون كثيرون. وهكذا سقط الاقتراح ليسجل الأقباط واحدة من أعظم الوقائع في تاريخنا الحديث عندما رفضوا التمتع بامتيازات طائفية تحت أي مسمى .. تذكرت هذه الواقعة وأنا أقرأ عن مذبحة نجع حمادي البشعة التي راح ضحيتها سبعة أقباط تم قتلهم بالرصاص أثناء خروجهم من الكنيسة يوم العيد.. السؤال لماذا رفض الأقباط منذ 90 عاما أن يتمتعوا بأي امتياز طائفي ولماذا يذبحون اليوم في ليلة عيد الميلاد على أبواب الكنائس؟!

... هذه في رأيي بعض أسباب الأزمة:
أولا: يؤكد لنا تاريخ مصر أن الفتنة الطائفية تنتشر دائما في أوقات الإحباط القومي. في بداية القرن العشرين انتابت المصريين حالة من اليأس بسبب الاحتلال البريطاني سرعان ما تحوّلت إلى فتنة طائفية قبيحة (لعبت فيها الأصابع البريطانية كالعادة) ووصلت إلى ذروتها ما بين عام 1908 وعام 1911، ولكن ما إن جاءت ثورة 1919 حتى انصهر فيها الجميع، بل إن بعض الأقباط مثل القمص سرجيوس، وكانوا من دعاة الفتنة، فتحولوا مع الثورة إلى أكبر المدافعين عن الوحدة الوطنية. في مصر الآن الكثير من الإحباط والكبت والفقر والظلم. هذه العوامل كلها تؤدي بالمصريين إلى التناحر الطائفي .. تماما كما تؤدي بهم إلى العنف والجريمة والتحرش الجنسي.
ثانيا: في العام 1923 عندما رفض الأقباط الامتيازات الطائفية، وبالرغم من الاحتلال البريطاني، كانت مصر تناضل لتؤسس دولة مدنية ديموقراطية يتساوى فيها المواطنون جميعا أمام القانون. كانت هناك قراءة مصرية متسامحة للإسلام أسس لها الإمام المصلح محمد عبده (1849 ـ 1905) الذي استطاع أن يخلص العقل المصري من الخزعبلات والتعصب. فشهدت مصر نهضة حقيقية في كل المجالات، مثل تعليم المرأة والمسرح والسينما والأدب. ولكن منذ نهاية السبعينيات، بدأت مصر تعرف فهماً آخر للإسلام، الفكر السلفي الوهابي المتشدد الذي اصطلح الفقهاء المصريون على تسميته بفقه البداوة... وقد ساعد على انتشار الفكر الوهابي عدة عوامل: أهمها ارتفاع سعر النفط بعد حرب أكتوبر مما أعطى للجماعات السلفية قدرات مالية غير مسبوقة استعملتها في نشر أفكارها في مصر والعالم، كما هاجر ملايين المصريين للعمل في دول الخليج، وعادوا بعد سنوات مشبعين بالأفكار الوهابية، وقد انتشر هذا الفكر برعاية مؤكدة من أجهزة الأمن السياسي في مصر، التي تعاملت دائما مع مشايخ السلفيين بتسامح كامل، بعكس القمع الشديد الذي تمارسه ضد الإخوان المسلمين.. والسبب في ذلك أن السلفية الوهابية، تساعد على ترسيخ حكم الاستبداد لأنها تدعو المسلمين الى طاعة الحاكم وتحرّم الخروج عليه ما دام مسلماً.. المشكلة أن الأفكار الوهابية تحمل رؤية معادية للحضارة بمعنى الكلمة، ففي ظلها يكون الفن حراماً والموسيقى والغناء حراماً والسينما والمسرح حراماً والأدب كذلك .. الفكر الوهابي يفرض على المرأة العزلة خلف النقاب أو البرقع التركي الذي تحررت منه المرأة المصرية منذ مئة عام.. وهو يعلن بوضوح أن الديموقراطية حرام، لأنها تعني حكم الشعب، بينما الوهابيون يريدون تطبيق حكم الله (وفقا لإرادتهم بالطبع).. الأخطر في الفكر السلفي الوهابي أنه ينسف فكرة المواطنة من أساسها. فالأقباط في نظرهم ليسوا مواطنين بل أهل ذمة، أقلية مهزومة مستسلمة في بلاد فتحها المسلمون. كما أنهم كفار مشركون قريبون من كراهية الإسلام والتآمر عليه، لا يجوز الاحتفال بأعيادهم ولا مساعدتهم في بناء الكنائس لأنها ليست دور عبادة بل أماكن للشرك بالله. ولا يجوز للنصارى في نظر الوهابيين أن يتولوا الحكم أو قيادة الجيوش مما يعني انعدام الثقة في ولائهم للوطن.. وكل من يتابع صورة الأقباط في عشرات القنوات الفضائية ومواقع الإنترنت السلفية لا بد أن يحس بحزن. فهذه المنابر التي يتابعها ملايين المصريين يومياً تعلن بوضوح كراهيتها للأقباط واحتقارها لهم، وكثيرا ما تدعو الى مقاطعتهم وعدم التعامل معهم... الأمثلة بلا حصر لكني سأورد هنا ما قرأته في الموقع السلفي الشهير «حراس العقيدة» الذي خصص موضوعاً كاملاً بعنوان «لماذا المسلم أفضل من القبطي ..؟!» فكتب ما يلي: «أن تكوني فتاة مسلمة قدوتك زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم اللائي فرض عليهن الحجاب أفضل من أن تكوني مسيحية قدوتك الزواني»... «أن تكون رجلا مسلما مجاهدا تدافع عن العرض والدين أفضل من أن تكون مسيحيا سارقا مغتصبا قاتلا للأطفال». «أن تكون مسلما قدوتك محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام أفضل من أن تكون مسيحياً قدوتك بولس الكذاب وأنبياء زناة».
مع انتشار كل هذا العداء للأقباط ألا يصير الاعتداء عليهم طبيعيا بل محتوماً؟!..
ثالثا: انتقلت عدوى التطرف من المسلمين الى الأقباط فنشأت أجيال منهم منعزلة عن المجتمع وتورط بعض الأقباط في خطاب التعصب والكراهية ذاته وليس هناك أشهر من القس زكريا بطرس الذي تفرغ للطعن في الإسلام وإهانة المسلمين (والذي لا أشك في قدرة الكنيسة على إسكاته فورا لو أرادت). لقد أسبغت الكنيسة حمايتها الكاملة على الأقباط لكنها زادت من عزلتهم وتحولت من سلطة روحية الى حزب سياسي يتفاوض باسم الشعب القبطي (تأمّل دلالة التعبير ).. وخوفاً من صعود الإخوان المسلمين أعلنت الكنيسة على لسان كبار مسؤوليها، قبولها التام لفكرة توريث الحكم من الرئيس مبارك الى ابنه جمال.. هذا الموقف، فضلاً عن كونه يتناقض مع التاريخ الوطني العظيم للكنيسة، فإنه يلحق بالأقباط أشد الضرر لأنه يقدمهم وكأنهم عملاء للنظام المصري ضد بقية المصريين.. كما أن بعض أقباط المهجر، في ما يبدو، لم يتعلموا شيئاً من دروس التاريخ فقرروا الارتماء بكل قوتهم في أحضان الدول الأجنبية التي لم ترد الخير لمصر قط، والتي رفعت دائما شعار حماية الأقليات كذريعة لأطماعها الاستعمارية... أقباط المهجر لهم مطالب، عادلة في معظمها لكنها للأسف طائفية تماما، بمعنى أنها تريد حل مشاكل الأقباط بمعزل عن مشاكل الوطن.. إن أقباط المهجر يفعلون اليوم عكس ما فعله أجدادهم العظام الذين رفضوا التمثيل النسبي في العام 1923. إنهم لا يطالبون بالعدل والحرية للمصريين جميعا بل يلحّون في تحقيق امتيازات طائفية لهم فقط وكأنهم يقولون للنظام المصري «أعطنا نحن الأقباط الامتيازات التي نطلبها ثم افعل ببقية المصريين ما تشاء فإن الأمر لا يعنينا».
إن مذبحة نجع حمادي البشعة لا يجوز أن نراها إلا بطريقة واحدة: «إن مواطنين مصريين قد قتلوا يوم العيد وهم خارجون من الصلاة».. إن الأبرياء الذين سقطوا قتلى وهم يتبادلون تهاني العيد، مصريون مثلي ومثلك، عاشوا معنا وحاربوا معنا ودافعوا عن الوطن بدمائهم.. إنهم مصريون، يتكلمون ويفكرون ويحلمون مثلنا تماما.. إنهم نحن.. والذي قتلهم ليس من أطلق الرصاص عليهم.. بل قتلهم نظام فاسد مستبد جثم على صدور المصريين ونهب أموالهم وقمعهم ودفعهم الى اليأس والتطرف والعنف...
..الديموقراطية هي الحل

No comments: